ما هو الفرق بين الحمد و الشكر  ؟


{وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } الصافات/282

{ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } الزمر/75

{ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } غافر/65

السؤال :

هل يوجد فرق في المعنى لو استبدلت كلمة " الحمد " بكلمة " الشكر " في هذه الآيات الشريفة؟




الجواب :

إن الحمد أعم من الشكر, فالحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان إحسانًا إلى الحامد أو لم يكن، أما الشكر فإنه لا يكون إلا على إحسان المشكور.

قال علماء اللغة إن الحمد يكون على الصَنعة والصنيع؛ أما الشكر فإنه يكون على النعم.

فالحمد لله تعالى يكون على الصنعة والصنيع , وشكر الله تعالى يكون على النعمة التي تصل إليك ماديًا.

تأمل قول الله تعالى :

{ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ } الأنعام/1

وقوله : 

{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }إبراهيم/7

ففي هذه الآية الذي ذكر القرآن المفردة ( شكرتم ) التي تشير إلى النعم, ولم يستخدم المفردة ( حمدتم).

قال العلامة الطباطبائي في الميزان :

" و قوله تعالى: الحمد لله، الحمد على ما قيل هو الثناء على الجميل الاختياري و المدح أعم منه، يقال: حمدت فلانا أو مدحته لكرمه، و يقال: مدحت اللؤلؤ على صفائه و لا يقال: حمدته على صفائه، و اللام فيه للجنس أو الاستغراق و المال هاهنا واحد. 

و ذلك أن الله سبحانه يقول: «ذلكم الله ربكم خالق كل شيء»: غافر - 62. 

فأفاد أن كل ما هو شيء فهو مخلوق لله سبحانه، و قال: «الذي أحسن كل شيء خلقه»: السجدة - 7. 

فأثبت الحسن لكل شيء مخلوق من جهة أنه مخلوق له منسوب إليه، فالحسن يدور مدار الخلق و بالعكس، فلا خلق إلا و هو حسن جميل بإحسانه و لا حسن إلا و هو مخلوق له منسوب إليه، و قد قال تعالى: «هو الله الواحد القهار»: الزمر - 4. 

و قال: «و عنت الوجوه للحي القيوم»: طه - 111. 

فأنبأ أنه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر و لا يفعل ما فعل بإجبار من مجبر بل خلقه عن علم و اختيار فما من شيء إلا و هو فعل جميل اختياري له فهذا من جهة الفعل، و أما من جهة الاسم فقد قال تعالى: «الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى»: طه - 8. 

و قال تعالى «و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها و ذروا الذين يلحدون في أسمائه»: الأعراف - 180. 

فهو تعالى جميل في أسمائه و جميل في أفعاله، و كل جميل منه. 

فقد بان أنه تعالى محمود على جميل أسمائه و محمود على جميل أفعاله، و أنه ما من حمد يحمده حامد لأمر محمود إلا كان لله سبحانه حقيقة لأن الجميل الذي يتعلق به الحمد منه سبحانه، فلله سبحانه جنس الحمد و له سبحانه كل حمد. 

ثم إن الظاهر من السياق و بقرينة الالتفات الذي في قوله: «إياك نعبد» الآية أن السورة من كلام العبد، و أنه سبحانه في هذه السورة يلقن عبده حمد نفسه و ما ينبغي أن يتأدب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبودية، و هو الذي يؤيده قوله: «الحمد لله». 

و ذلك أن الحمد توصيف، و قد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال: «سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين»: الصافات - 160. 

و الكلام مطلق غير مقيد، و لم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين، قال تعالى في خطابه لنوح (عليه السلام): «فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين»: المؤمنون - 28.

و قال تعالى حكاية عن إبراهيم (عليه السلام): «الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل و إسحاق»: إبراهيم - 39. 

و قال تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في بضعة مواضع من كلامه: «و قل الحمد لله»: النمل - 93. 

و قال تعالى حكاية عن داود و سليمان (عليهما السلام) «و قالا الحمد لله»: النمل - 15. 

و إلا ما حكاه عن أهل الجنة و هم المطهرون من غل الصدور و لغو القول و التأثيم كقوله. «و آخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين»: يونس - 10. 

و أما غير هذه الموارد فهو تعالى و إن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم، كقوله تعالى: «و الملائكة يسبحون بحمد ربهم»: الشورى - 5. 

و قوله «و يسبح الرعد بحمده»: الرعد - 13 و قوله و إن من شيء إلا يسبح بحمده»: الإسراء - 44. 

إلا أنه سبحانه شفع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الأصل في الحكاية و جعل الحمد معه، و ذلك أن غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله و كمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته و أسمائه التي منها جمال الأفعال، قال تعالى: «و لا يحيطون به علما»: طه - 110 فما وصفوه به فقد أحاطوا به و صار محدودا بحدودهم مقدرا بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلا من بعد أن ينزهوه و يسبحوه عن ما حدوه و قدروه بأفهامهم، قال تعالى: «إن الله يعلم و أنتم لا تعلمون»: النحل - 74، و أما المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده و وصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان أن الذي يقتضيه أدب العبودية أن يحمد العبد ربه بما حمد به نفسه و لا يتعدى عنه، كما في الحديث الذي رواه الفريقان عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك الحديث " فقوله في أول هذه السورة: الحمد لله، تأديب بأدب عبودي ما كان للعبد أن يقوله لو لا أن الله تعالى قاله نيابة و تعليما لما ينبغي الثناء به. " انتهى كلام العلامة.

كما أن لصاحب الأمثل إشارة جميلة إلى هذا المطلب, حيث جااء في الأمثل :

ولفهم عمق هذه العبارة وعظمتها يلزمنا توضيح الفرق بين «الحمد» و «المدح» و«الشكر» والنتائج المترتبة على ذلك: 

1 ـ «الحمد» في اللغة: الثناء على عمل أو صفة طيبة مكتسبة عن اختيار، يأي حينما يؤدي شخص عم طيّباً عن وعي، أو يكتسب عن اختيار صفة تؤهله لأعمال الخير فإنّنا نحمده ونثني عليه. 

و«المدح» هو الثناء بشكل عام، سواء كان لأمر إختياري أو غير إختياري، كمدحنا جوهرة ثمينة جميلة. ومفهوم المدح عام، بينما مفهوم الحمد خاص. 

أمّا مفهوم «الشكر» فأخصّ من الاثنين، ويقتصر على ما نبديه تجاه نعمة تغدق علينا من منعم عن إختيار. 

ولو علمنا أنّ الألف واللام في (الحمد) هي لاستغراق الجنس، لعلمنا أنّ كل حمد وثناء يختص بالله سبحانه دون سواه. 

ثناؤنا على الآخرين ينطلق من ثنائنا عليه تعالى، لأنّ مواهب الواهبين كالأنبياء في هدايتهم للبشر، والمعلمين في تعليمهم، والكرماء في بذلهم وعطائهم، والأطباء في علاجهم للمرضى وتطبيبهم للمصابين، إنّما هي في الأصل من ذاته المقدسة. وبعبارة اُخرى: حمد هؤلاء هو حمد لله، والثناء عليهم ثناء على الله تعالى. 

وهكذا الشمس حين تغدق علينا بأشعتها، والسحب بأمطارها، والأرض ببركاتها، كلّ ذلك منه سبحانه، ولذلك فكلّ الحمد له. 

وبكلمة أُخرى: جملة (اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إشارة إلى توحيد الذات، والصفات، والأفعال (تأمّل بدقة). 

2 ـ وصف (الله) بأنه (رَبّ الْعَالَميِن) هو من قبيل ذكر الدليل بعد ذكر الادعاء، يوكأنّ سائ يقول: لم كان حمد لله؟ فيأتي الجواب: لأنه (رب العالمين). 

وفي موقع آخر يقول القرآن عن الباري سبحانه: (الَّذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْء خَلَقَهُ ...) السجدةم 7. 

ويقول أيضاً: (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) هود/ 6. 

3 ـ يستفاد من (الحمد) أن الله سبحانه واهب النعم عن إرادة وإختيار، خلافًا لأولئك القائلين إنّ اللّه تعالى مجبر على أن يفيض بالعطاء كالشمس!! 

4 ـ جدير بالذكر أن الحمد ليس بداية كل عمل فحسب، بل هو نهاية كل عمل أيضًا كما يعلمنا القرآن. 

يقول سبحانه عن أهل الجنة: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهِا سَلامٌ، وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يونس/ 10.
 
أعلى